أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
165
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
يصدق بمرة . وقيل : لأن « الحكم » لا يحكم إلّا بالعدل ، و « الحاكم » قد يجوز . وقوله : « وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ » هذه الجملة في محل نصب على الحال من فاعل « أَبْتَغِي » ، و « مُفَصَّلًا » حال من « الْكِتابَ » . وقوله : « وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ » مبتدأ ، و « يَعْلَمُونَ » خبره ، والجملة مستأنفة . و « مِنْ رَبِّكَ » لابتداء الغاية مجازا . و « بِالْحَقِّ » حال من الضمير المستكن في « مُنَزَّلٌ » ، أي : ملتبسا بالحق ، فالباء للمصاحبة . وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم « مُنَزَّلٌ » بتشديد الزاي ، والباقون بتخفيفها ، وقد تقدم « 1 » أن « أنزل ، ونزّل » لغتان ، أو بينهما فرق . قوله : صِدْقاً وَعَدْلًا . في نصبهما ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكونا مصدرين في موضع الحال ، أي : تمت الكلمات صادقات في الوعد ، عادلات في الوعيد . الثاني : أنهما نصب على التمييز . قال ابن عطية : وهو غير صواب . وممن قال بكونه تمييزا الطبري ، وأبو البقاء . الثالث : أنهما نصب على المفعول من أجله ، أي : تمت لأجل الصدق والعدل الواقعين منهما ، وهو محل نظر ، ذكر هذا الوجه أبو البقاء . وقرأ الكوفيون هنا ، وفي يونس في قوله : كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا « 2 » ، إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ « 3 » موضعان ، وفي غافر وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ « 4 » : « كَلِمَةُ » بالأفراد . وافقهم ابن كثير وأبو عمرو على ما في يونس وغافر ، دون هذه السورة . والباقون بالجمع في المواضع الثلاثة . قال الشيخ « 5 » : قرأ الكوفيون هنا ، وفي يونس في الموضعين ، وفي المؤمن : « كَلِمَةُ » بالإفراد ، ونافع جميع ذلك « كلمات » بالجمع ، تابعه أبو عمر وابن كثير هنا . قلت : كيف نسي ابن عامر ؟ لا يقال : إنّه قد يكون أسقطه الناسخ ، وكان الأصل : ونافع وابن عامر ، لأنه قال : تابعه ، ولو كان كذلك لقال : تابعهما . ووجه الإفرا ، إرادة الجنس ، وهو نظير رِسالَتَهُ « 6 » و رِسالاتِهِ « 7 » . وقراءة الجمع ظاهرة ، لأن كلماته تعالى متنوعة بالنسبة إلى الأمر والنهي ، والوعد والوعيد ، وقد أجمع على الجمع في قوله : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ « 8 » ، وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ « 9 » . وقوله : لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ يحتمل ألّا يكون لها محل من الإعراب ، وأن تكون جملة حالية من فاعل « تَمَّتْ » فإن قلت : فأين الرابط بين ذي الحال والحال ؟ فالجواب أن الربط حصل بالظاهر ، والأصل : لا مبدل لها ، وإنما أبرزت ظاهرة تعظيما لها ، ولإضافتها إلى لفظ الجلالة الشريفة . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون حالا من « رَبِّكَ » لئلا يفصل بين الحال وصاحبها بالأجنبي ، وهو « صِدْقاً وَعَدْلًا » ، إلا أن يجعل « صِدْقاً وَعَدْلًا » حالا من « رَبِّكَ » لا من « الكلمات » . قلت : فإنه إذا جعل « صِدْقاً وَعَدْلًا » حالا من « رَبِّكَ » لم يلزم منه فصل ، لأنهما حالان لذي حال . ولكنه قاعدته تمنع تعدد الحال لذي حال واحدة ، وتمنع أيضا مجيء الحال من المضاف إليه وإن كان
--> ( 1 ) سورة آل عمران ، آية ( 3 ) . ( 2 ) آية ( 33 ) . ( 3 ) آية ( 96 ) . ( 4 ) آية ( 6 ) . ( 5 ) انظر البحر ( 4 / 209 ) . ( 6 ) من سورة المائدة ، آية ( 67 ) . ( 7 ) من سورة المائدة ، آية ( 124 ) . ( 8 ) سورة الأنعام ، آية ( 115 ) . ( 9 ) سورة الأنعام ، آية ( 34 ) .